مجموعة مؤلفين

14

إرشاد ذوي العقول إلى براءة الصوفية من الاتحاد والحلول

وأقوال بحسب وجدانهم واتصافهم واستعدادهم ، فمن قائل : الفقر الاتصاف بكلّ وصف محمود ، والانخلاع عن كل وصف مذموم . ومن قائل : الفقر وصف يفوق الأوصاف والحدود ، ويتجلّى من وراء العقول والعهود ، فلا يصفه واصف ، ولا يعرفه عارف ، ولا يخاف فيه آمن ، ولا يأمن فيه خائف ، وكلّ الأقوال بحسب الوجدان والأحوال والقابلية والاستعداد لتلقّي الواردات لما يرد به المراد . والذي وصفوه وتكلّموا فيه ، وحققوه أنّ الفقر خلوّ الكفّ من المال وخلو القلب من الآمال ، وهذا أحسن ما قالوه ، إلا أنّ خلوّ القلب من الآمال لا يحتاج إلى خلوّ الكفّ من المال ، فقد كان لبعض الأنبياء صلوات اللّه تعالى عليهم وسلامه الأموال في أيديهم ، ولم تكن في قلوبهم كأيّوب النبيّ السيد صلى اللّه عليه وسلم والسيّد سليمان بن داود عليه الصلاة والسلام وعلى أبيه وعلى جميع الأنبياء والمرسلين ، والسيّد النبي الأميّ عليه أفضل الصلاة والسلام ، وكان الملك للسيّد سليمان والخلافة للسيد داود عليهما السلام ، فافهم معنى ذلك . ولا تقف مع حظّك ؛ فهو الذي حجب من أقيم في رتبة من الرّتب عن وصوله لما كانوا عليه ، والآمال بحسب المؤمل لها ، وهي ما شغلك عن اللّه تعالى من أهل أو مال أو ولد أو دنيا أو آخرة أو رتبة من الرتب الدنيوية أو الأخروية يوما أو لحظة أو ساعة من الساعات أو خطرة من الخطرات ، أو زمن فرد فذلك مشئوم عليك كما ورد : ما شغلك عن اللّه تعالى من مال وولد فهو عليك مشئوم ، وفي قوله تعالى : لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ [ الإسراء : 22 ] كفاية لمن كان له قلب أو ألقى السّمع وهو شهيد ، وحقيقة الأمل وجود الحياة ، وطلب البقاء في هذه الدار ، فبقدر طول الأمل وقصره ، تفضل درجات الفقر ، فالفقير حقيقة من لا أمل له . وقد ورد في قصر أمل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ومحو الأمل من قلبه في تسويغ اللقمة وشربة الشربة ، وما ذكره لأصحابه فيه كفاية ، فحياة الفقير دنياه وأمله عدم فقره ، وعدم أمله وجود فقره ، انتهى .